يحيي بن حمزة العلوي اليمني

11

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الدين ، والدنيا ، ونازلة في الاستصلاح منزلا تقاصرت العبارة عن كنهه ، فحذفت هذه القيود كلها ، وأطلقت إطلاقا ، وعوض التنوين عن هذه القيود ، كما جعل عوضا في يومئذ ، وحينئذ ، عن جميع الجمل السالفة ، وفيه من التعظيم والفخامة ما يرى ، فهذا هو الوجه اللائق بفصاحة القرآن ، دون ما ذكره علماء البيان ، وأما ما ذكره ثانيا من تنكير السلام في قصة يحيى ، وتعريفه باللام في قصة عيسى ، فإنما كان ذلك التنكير واردا في قصة يحيى عليه السلام ؛ لأن التحية كانت من جهة الله تعالى في المواطن الثلاثة ، وسلام ما كان من جهة الله مغن عن كل تحية ، « قليلك لا يقال له قليل » ، ومن ثم لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرا ، كقوله تعالى سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] وقوله اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [ هود : 48 ] وقوله تعالى سَلامٌ عَلى نُوحٍ [ الصافات : 76 ] ولو كانت معرفة لكان لا فائدة في تعريفها ، وأما تعريف السلام في حق عيسى عليه السلام ، فإنما كان ذلك من أجل أنه ليس واردا على جهة التحية من الله تعالى ، وإنما هو حاصل من جهة نفسه ، فلا جرم جيء بلام التعريف ، إشعارا بذكر الله تعالى ؛ لأن السلام اسم من أسمائه ، وفيه تعرض لطلب السلامة ، ولهذا فإنك إذا ناديت الله باسم من أسمائه ، فإنك متعرض لما اشتق منه ذلك الاسم ، فتقول في طلب الحاجة ، يا كريم ، وفي سؤال مغفرة الذنب : يا عفو ، يا غفور ، يا رحيم ، يا حليم ، لما كان ذلك مناسبا ملائما لما أنت فيه ، فلهذا أورده باللام ، تعرضا للسلامة ، وطلبا لها باسم الله تعالى ، وجؤارا إليه ، ومن أجل ذلك كان اختتام الصلاة بالسلام المعرف باللام لكونه اسما من أسماء الله ، لما كان افتتاحها باسم من أسمائه ، ومن جوز السلام بغير اللام ، فهو بمعزل عن هذه الأسرار ومعرض عن هذه المقاصد ، وأما ما ذكره ثالثا من نصب سلام الملائكة ، ورفع سلام إبراهيم ، فلأن سلام الملائكة إنما ورد على جهة الإشعار بالفعل ، وكونه مصدرا عنه تقريرا لخاطره ، وإزالة للوحشة الحاصلة من جهتهم بامتناع الأكل ، كما نبه عليها بقوله تعالى : فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [ الذاريات : 28 ] وهذا المعنى إنما يظهر بالنصب بخلاف السلام من جهة إبراهيم ؛ فإنما هو وارد على جهة التحية ، كأنه قال : منى سلام ، أو عليكم سلام ، غير متعرض